كلمة رئيس الحكومة في افتتاح المؤتمر الدولي "الاستثمار في تونس: الديمقراطية الناشئة"
زووم تونيزيا
| الاثنين، 8 سبتمبر، 2014 على الساعة 22:34 | عدد الزيارات : 589
زووم | تونس | فيما يلي الكلمة التي ألقاها رئيس الحكومة، مهدي جمعة، في افتتاح المؤتمر الدولي "الاستثمار في…
ونس: الديمقراطية الناشئة" :
الكلمة:
السيّد الوزير الأوّل بالجمهوريّة الفرنسيّة منوال فالس
السيّد رئيس حكومة المملكة المغربيّة عبد الإلاه بن كيران
السيّد الوزير الأول بالجمهوريّة الجزائريّة الديمقراطية عبد الملك سلال
السيّد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية
السيّدات والسّادة الوزراء أصحاب المعالي،
ضيوفنا الكرام، إنّه لمن دواعي السّرور والشرف أن أستقبلكم في تونس بمناسبة هذا المؤتمر العالمي الذي ننظمّه تحت شعار : "استثمر في تونس، الديمقراطيّة الناشئة" بمشاركة فرنسا التي أحيّي وزيرها الأوّل السيّد منوال فالس ووزير خارجيتها السيّد لوران فابيوس من أجل التزامهما ومساندتهما لهذه المبادرة. كما أريد أن أحيّي زميلي وصديقيّ السيّد عبد الملك سلال الوزير الأوّل الجزائري والسيّد عبد الإلاه بن كيران رئيس الحكومة المغربيّة اللذين شرفانا بحضورهما اليوم. كما أشكر الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لمشاركته باسم الأمين العام للأمم المتحدة السيّد بان كيمون.
أصحاب المعالي، ضيوفنا الكرام،
لقد كان من دواعي سروري أن قابلت عددا كبيرا من بينكم خلال زياراتي الرسميّة التي أديتها إلى بلدانكم ولمؤسّساتكم إثر تكليفي برئاسة الحكومة. وقد شرفنا العديد منكم بزياراتهم لتونس. وقد تحدّثت وقتها إليكم عن التزامات حكومتنا بإنجاح هذا الانتقال الديمقراطي.
وها نحن اليوم في ساعة الإنجاز والملموس، واني لمسرور باستقبالكم بيننا لتسجيل انطلاق مرحلة جديدة هي مرحلة الدفع الاقتصادي. ففي هذه المرحلة التاريخيّة التي تعيشها تونس، يكون وجودكم بيننا شاهدا على ثقتكم وصداقتكم ومساندتكم للفترة الانتقاليّة التي تعيشها بلادنا. وهي عوامل ثمينة لتدعيم هذا المؤتمر الدولي المتمحور بلا شك حول الاستثمار، ولكنّه سيؤسّس لشراكات جديدة، استثنائيّة ودائمة وذات فوائد متبادلة.
أصحاب المعالي، ضيوفنا الكرام،
إن تونس تتّجه اليوم مباشرة إلى الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة وهي أول انتخابات حرّة ومستقلة في تاريخها الطويل. ولم يكمن من السّهل الوصول إلى هذا الموعد الانتخابي الكبير الذي طالما ترقبناه. وبعد مرور ثلاث سنوات ونصف عن انطلاق الثورة، تأتي هذه الانتخابات لتتوّج سلسلة من المناقشات المكثفة ومسارا صعبا للتحوّل الديمقراطي، منحت تونس دستورا متميّزا ومتماهيا مع القيم الكونيّة التي تحترم الحريّات الشخصيّة وتتّجه نحو الحداثة. إنّه دستور يؤسّس لمؤسّسات قويّة، يحتكم إلى الديمقراطية وشفافيّة الصناديق. ولا يمكن لهذه الطريق أن تقطع إلا إذا كانت منطلقا للاستقرارالعام بالبلاد، وللانتعاش الاقتصادي، والإسراع بالإصلاحات وذلك لافتتاح عهد النموّ والازدهار. ومنذ دخولها حيّز النشاط في شهر جانفي الماضي، وجدت حكومتي المستقلة والمنبثقة عن الحوار الوطني نفسها مضطلعة بمهمّة مضاعفة مدوّنة بخارطة طريق أمضت عليها كلّ الأطراف المعنيّة. وتهدف هذه المهمّة إلى تحقيق كلّ الظروف الممكنة لتنظيم انتخابات حرّة ونزيهة، ونشر الاستقرار في البلاد وضمان أمنها ودفعها اقتصاديّا.
وأمام جسامة الرّهانات، أدركنا أنّه لا يمكن التوقف عند حدود هذه الأخيرة، بل إنّ مسؤوليّتنا تحتّم علينا إفساح المجال لمن سيأتي بعدنا وذلك بإعداد رؤية مستقبليّة وبرنامج عمل يضع بلادنا على طريق مفتوح لدفع الاقتصاد ووضع تونس في مكان تستحقّه بين شركائها. لقد وصلنا على أساس تعاقد يتمثل في خارطة الطريق، وسنغادر بعد وضع مشروع مستقبلي سنطرحه على أنظاركم اليوم. أصحاب المعالي ضيوفنا الكرام، في إطار هذا المشروع المستوحى من تاريخنا منذ آلاف السنين، و الذي ينفتح على إنجازات الحضارة الإنسانية يقع إعادة بناء الدولة ومؤسساتها كانجاز أولي و مطلق لبرنامجنا.
ومن أكبر المخاطر التي نلاحظها في الدول الأخرى، انهيار الدولة وعرقلة المؤسسات ، وهو ما تسعى إليه الجماعات الإرهابية كهدف رئيسي لتنفيذ مخططهم. ومن هنا تعتبر مهمة إعادة بناء الدولة مهمة استراتيجية، تعديلية ضامنة للعدالة الاجتماعية. غير أن هذا التمشي لن يكون ذا جدوى إلا إذا تمتع التونسيون والتونسيات بالحقوق الأساسية التي تتمثل في حق المواطنة والكرامة والاعتزاز، من خلال العمل والتعليم والرعاية الصحية والثقافة والترفيه، مع ضرورة احترام حقوقهم وواجباتهم. تلك هي الحتميات الكبرى. أن هدفنا هو انشاء دولة المواطنة، تكون مهمتها الأولى هي خدمة المواطن بالأساس.
إن هدفنا ترسيخ أسس لا رجعة فيها أهمها حماية البلاد من عودة الدكتاتورية، والسقوط في اللامساواة، وتراجع الحقوق والحريات. أصحاب المعالي ضيوفنا الكرام، إن عملية الانتقال الديمقراطي، تقوم على استحداث نمط جديد من الحكم القائم على الكفاءة والالتزام والولاء للمؤسسات كجزء من استمرارية الدولة مع احترام التناوب على السلطة التنفيذية. هذا المنهج سوف يضمن ديمقراطية دائمة قادرة على تحقيق اقتصاد مزدهر ومجتمع حداثي ومتضامن. كنا نعلم أن منهجنا لن يكون سهل التحقيق، في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والتحديات والطموحات السياسية. إضافة إلى التهديدات الأمنية الخطيرة ولكن أمام هذه التهديدات المتنامية، تقوم الدولة بتوحيد وتعزيز قواتها لضمان سيادتها والدفاع عن الحريات.
إذا نجحت الدولة في تجاوز هذه الصعوبات الأمنية، فإن ذلك يعود إلى روح التعاون واتحاد القوى الوطنية، فلم يبق أي خلاف مهما كانت خطورته دون تسوية. وهذا بفضل الحوار الوطني الذي كان بمثابة آلية التوافق التي وحدت الصفوف وصنعت المستقبل. أصبح للمجتمع المدني دور أساسي في دعم الدولة وحماية الحقوق والحريات، وقد أجمع التونسيون كذلك وفي وثبة جماعية على رفض التطرف والإرهاب والعنف، واختاروا تونس السلام والديمقراطية والتسامح والانفتاح والازدهار والنمو في ظل مستقبل يسوده الثقة والصفاء. . أصحاب المعالي ضيوفنا الكرام، و كأي مرحلة انتقالية، لم تنج تونس من الاضطرابات الاقتصادية و من التهميش الاجتماعي والتفاوت في التنمية الجهوية طيلة سنوات عدة، مما أدى إلى انفجارات اجتماعية ونزاعات وإضرابات غطت فترة ما بعد الثورة. وكانت لهذه التوترات تأثيرات هامة بحيث أضعنا الجانب الاقتصادي تحت وقع الاضطرابات السياسية. وكما أسلفت القول في أكثر من مناسبة، فقد أهملنا الجانب الاقتصادي طيلة ثلاث سنوات مضت رغم أن الواقع لا يسمح بهذا الإهمال.
وكان عمل حكومتي يتمثل في إنعاش الاقتصاد في صلب النقاش العام. وهكذا بدأنا الحوار الاقتصادي الوطني الذي شهد مشاركة الأحزاب السياسية، وأرباب العمل والمنظمات الاجتماعية وعدد كبير من الخبراء. وهو ما قادنا إلى بناء توافق على السياسات وأهم الإصلاحات بغية استعادة التوازنات الكبرى. وعلى هذا المنوال حددنا قانون مالية تكميلي لسنة 2014، يهدف إلى وضع حد لانحراف اقتصادنا واستعادة التوازنات الاقتصادية الكبرى. و تم إعداد نصوص أخرى للإسراع بحركة الإصلاحات التي تهدف خاصة الى تحقيق العدالة الضريبية، والى كفاءة النظام المصرفي وترشيد الدعم لا سيما في قطاع الطاقة, وإعادة تأهيل المؤسسات العامة ومحاربة الاقتصاد الموازي. كما تم وضع إصلاحات من اجل تسهيل الإجراءات، وطمأنة المستثمرين, تشمل اولها الشفافية والحوكمة وسيادة القانون.
ان تصميمنا على انجاز هذه الإصلاحات، هو التزامنا بحماية الطبقات الاجتماعية الأكثر فقراً بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية.. استناداً إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي في البحر الأبيض المتوسط، و تاريخها العريق وقيمها، وتراثها، و كفاءة شبابها،وحداثتها وتوازن مجتمعها ، تونس التى تستقبلكم اليوم هادئة وطموحة تجمع بين شجاعة الإصلاح وولادة تجربة ديمقراطية. تونس اليوم تتحلى برؤية اقتصادية واضحة، وخيارات استراتيجية وقطاعات واعدة، وسلسلة من المشاريع الإنمائية و تكشف عن صورة جديدة لها تتمثل في كونها أرض الإمكانات والوعود و الفرص، في كلمة واحدة، أرض المستقبل. أصحاب المعالي ضيوفنا الكرام، ان الرؤية السياسية والخطة الاقتصادية الجديدة لا يمكن تحقيقهما دون توفير نموذج اجتماعي جديد. وألتزم شخصيا كرئيس حكومة بتطبيق هذا التوجه. ان الحوار الاجتماعي قد أرسي على أسس جديدة بما في ذلك الثقة، والإخلاص، وتبادل المعلومات. كما شرع في انشاء إصلاحات تهم نظام التقاعد والضمان الاجتماعي. ان جميع هذه الإصلاحات وما شملها من حوار ستمكننا من الخروج من مرحلة التحدي وعدم الاستقرار الاجتماعي ما بعد الثورة الى روح التهدئة والتوافق والانسجام. ان تونس التى اصفها لكم تمثل مجتمعا حديثا مفعما بالقيم الجمهورية، مطمئنة في هويتها و ترنو الى بناء و فتح مسارات لمستقبلها. أصحاب المعالي ضيوفنا الكرام، ان اجتماعنا اليوم يمثل لحظة تاريخية ستمكننا واياكم من تقاسم رؤيتنا للمستقبل و شرح سبل انتعاشنا الاقتصادي من اجل جعل تونس قطبا للمستقبل.
ان الاستثمار في هذه المنطقة المعرضة لجميع التهديدات يمثل: استثمارا في الديمقراطية
* توطيدا للسلام والأمن
* اجماعا على منهج الوفاق الوطني *
* رهانا على الشباب المتعلم، الكفؤ والطموح
* تمهيدا لطريق الشراكات الرابحة، القوية و الدائمة
* تسهيلا لتدفق التبادلات الاقتصادية والتكنولوجية إنشاءا لعلاقات جديدة للتنمية المشتركة
* هوالحصول منذ اليوم على مكان للغد. وعلى التونسيين أولا الالتزام بذلك نعتقد اعتقادا راسخا ان نجاحنا في المستقبل يمثل فرصة هامة للمجتمع الدولي الذى شهد في كل مرحلة من مراحل رحلتنا ، على صداقته لنا، و ثقته فينا ودعمه لنا. ونوقع اليوم مع أشقائنا وأصدقائنا وشركائنا، علاقة جديدة للمستقبل. أن تونس الغد واعدة وعلينا أن نؤمن بها و نستثمر فيها من اجل تقاسم المرابيح القادمة. انه لقاء فريد من نوعه معكم لنبني معا هذا المستقبل المشرق.
و لكم جزيل الشكر