رئيس الحكومة التونسية على العريض :تونس بنخبها وشعبها ستلفظ وترفض كل من يفكر في المغامرة بالارتداد إلى الوراء(في التفاصيل النص الكامل للحوار)
زووم تونيزيا
| الخميس، 31 أكتوبر، 2013 على الساعة 17:01 | عدد الزيارات : 905
الخميس
31/10/2013
دخلنا هذا الحوار كأطراف سياسية واجتماعية بإرادة صادقة لإنجاحه
ابني منتخب في مجلس شورى حركة…
لنهضة، ومن ثم فهو ليست له أي صلة بموضوع أنصار الشريعة
منهج بن علي في التعاطي مع الشأن العام، السياسي منه أو الاقتصادي، هو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن
تونس بصفة عامة، هي بيئة طاردة للإرهاب، ومناهضة له
أئمة المساجد يؤدون أدوارهم في المساجد بصفة طوعية، ويقيمون صلاة الجنازة على من نفقدهم من التونسيين والتونسيات لا غير
أنا أعمل من أجل بلدي، والحقيقة ليس لي وقت على أن أرد على كل ناعق، يبحث عن الإثارة أو الحضور في مستوى وسائل الإعلام
أنا أطلب منك أن تأخذ فقط نصف المسيرة المؤيدة للحكومة وتقارنه بالمجموعة الأخرى، أنا مسامحك في النصف
اتمنى للأشقاء في الجزائر أن ينجحوا فيما نجحوا فيه حتى الآن
تونس بنخبتها السياسية وشعبها ستصر على الديمقراطية، وستلفظ، وترفض كل من يفكر في المغامرة بالارتداد إلى الوراء في مجال الحريات والديمقراطية
«نموت.. نموت ويحيا الوطن».. كان هذا الهتاف المدوي الذي أطلقه المتظاهرون في شارع الحبيب بورقيبة، ترددت أصداؤه في غرفتي بفندق «إفريقيا» المطلة على الشارع، الذي يعتبر أيقونة الثورة التونسية. كنت أتأهب للتوجه إلى مقر رئاسة الحكومة في منطقة «القصبة» لمحاورة «سيد القصر» علي العريض، عندما اهتز زجاج الغرفة من دوي الهتافات، حيث كان يتظاهر المئات من رجال الأمن المتقاعدين، تقودهم قياداتهم النقابية في مسيرة احتجاجية، أختير لها أن تمثل «جنازة رمزية» لشهداء المؤسسة الأمنية الذين سقطوا مؤخرا ضحايا العمليات الإرهابية في ولايات (باجة، بنزرت، وسيدي بوزيد). ..
وبعيدا عن صخب الشارع الغاضب كان المجتمعون حول طاولة «الحوار الوطني» يحاولون ترتيب أوضاع البيت التونسي من الداخل، وينسجون الملامح الأساسية لمستقبل البلاد خلال السنوات المقبلة والعقود القادمة. كانت النخب السياسية تتباحث في كيفية الخروج من نفق الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد بعد اغتيال المعارض «شكري بلعيد» في فبراير الماضي، وسرعان ما تفاقمت إلى الأسوأ في شهر يوليو المنصرم، إثر اغتيال النائب في البرلمان محمد براهمي.
كان أطراف الأزمة المتصاعدة يتحاورون تحت مظلة «حوارهم الوطني» بينما كانت السيارة تتجه بي إلى مقر الحكومة في «قصر القصبة» حيث يدير الملفات الحكومية رئيس الوزراء علي العريض، الذي تعهد في وثيقة مكتوبة باستقالة حكومته خلال ثلاثة أسابيع، بعد «التوافق» على تشكيل حكومة كفاءات، باعتبار أن ذلك يمثل المدخل لإنهاء الأزمة السياسية الراهنة. .. علما بأن لجنة تحديد المسار الحكومي، هي لجنة اقتراحات وتشاورات وليس اتخاذ قرارات، وبالتالي فإن اختيارها لإحدى الشخصيات لتولي رئاسة الحكومة التونسية الجديدة سيخضع في النهاية لميزان التوافقات، وما عدا ذلك فإن باب الخلافات سيظل مفتوحا على مصراعيه.. والمخاوف والهواجس ألا يغلق أبدا. ..وبينما كان الفرقاء السياسيون يبحثون ملامح وهوية الشخصية الوطنية التي ستتولى رئاسة الحكومة المرتقبة، ويفحصون أسماء المرشحين لهذه «المهمة المستحيلة» لإدارة المرحلة التأسيسة المتبقية، وهي الأصعب في تاريخ «تونس الثورة»، كنت واقفا أمام البوابة الرئيسية للقصر الحكومي، حيث يدير علي العريض شؤون السلطة التنفيذية في بلاد «ابن خلدون»، و«أبو القاسم الشابي»، والزعيم التاريخي لبلاد «البرشا» الراحل «الحبيب بورقيبة». .. وعندما خطوت أولى خطواتي داخل «القصر العتيق» شعرت وكأنني أدخل في دهاليز «نفق الزمان»، الذي أوصلني إلى مرحلة حكام «الباي» الذين كانوا يحكمون تونس في القرون الماضية، ويستمدون شرعيتهم من «فرمان التولية» الصادر من «الباب العالي» في «الاستانة» أيام الامبراطورية العثمانية.
فالملاحظ أن «قصر القصبة» أو «دار الباي» كما كان يسمى سابقا، المخصص لرئاسة الحكومة التونسية غارق في تفاصيل المعمار العثماني، ولا أبالغ عندما أقول إنه قصر يسكنه التاريخ، حيث تشير الدراسات التاريخية إلى أن تشييده تم خلال الفترة بين عامي 1613 – 1666، وهو يقع عند المدخل الجنوبي لمدينة تونس «العتيقة»، وتواجه أبوابه الشمالية ساحة القصبة الشهيرة. .. ويطغى الطراز المعماري العثماني على أجنحة القصر المتعددة، بالإضافة إلى المعمار الاندلسي، من خلال الأسقف الخشبية، والنقوش الجبسية، والسيراميك التونسي المعروف باسم «الجليز». .. وفي غمرة انبهاري بهذا «الإرث الحضاري»، حيث كنت أتأمل هذا الإبداع العمراني المجسد في إحدى صالات القصر المخصصة للضيوف، وبينما كنت أرتشف رشفات معدودات من الشاي التونسي المميز، تم استدعائي في موعدي المحدد، لمحاورة رئيس الحكومة التونسية.
كان علي العريض واقفا في مكتبه ويبدو من خلفه العلم التونسي عندما صافحته، فرحب بي قائلا: أهلا بك في بلد الحوار الوطني. .. فقلت له: معالي الرئيس جئتكم، من بلدي قطر على وجه الخصوص لإجراء هذا الحوار الصحفي، والذي يتزامن مع انطلاق جلسات الحوار الوطني، متمنيا أن يتسع صدركم لتلقي أسئلتي التي ربما تكون استفزازية، ومع أمنيتي أن تمنحوني مزيدا من الوقت، ولا تفاجئوني بكلمة «ديغاج» أي أرحل، قبل نهاية الموعد المحدد.
فابتسم العريض ابتسامة عريضة، وهو يفتح ذراعيه بشكل أعرض قائلا: شكرا، بارك الله فيكم، ومرحبا بالأشقاء القطريين هنا، (وللتوضيح فإن كلمة «ديغاج» هي صناعة تونسية، وليست للتصدير، فتلك مخصوصة لأهلها، وفي وقتها، لمن لا تنفع معه أي وسيلة إلا هذه الكلمة، وعندئذ يضطر الشعب أن يرفعها في وجه ذاك المسؤول، وشيء من هذا القبيل)، فمرحبا بك، وتفضل بطرح كل أسئلتك على الرحب والسعة، فأنت في بلدك. .. وعندما انتهى من ترحيبه بي، طرحت عليه حزمة من الأسئلة التي لا أزعم أنها «ناسفة»، ولكنني كنت حريصا على أن تكون موضوعية ومنصفة، ولكنه قد تمكن من تفكيكها بقدرات وخبرات وزير الداخلية، حيث كان يشغل هذه الوزارة قبل تكليفه برئاسة الحكومة ..
وإليكم تفاصيل الحوار:
معالي الرئيس، اسمحوا لي أن أبدأ حواري الصحفي معكم انطلاقا من الحدث البارز، وهو تدشين الحوار الوطني في بلدكم، الذي كان مشروطا باستقالة حكومتكم.. فهل يمكن القول، بعد تعهدكم بالاستقالة بوثيقة مكتوبة إن دوركم قد انتهى كرئيس للحكومة، وإنكم تقومون حاليا بتصريف الأعمال؟
(بدأ حديثه «بالبسملة»، وهو يقبض بيده اليمنى على اليسرى) قائلا:
-إن هذا الحوار الوطني كما تفضلت، هو نوع من الوفاق بين أهم الأطراف السياسية والاجتماعية على صيغة، لإخراج البلاد من مرحلة شهدت فيها كثيرا من التجاذبات والصراعات، والشكوك المتبادلة، مما أثر سلبا على وضعها الأمني، والاقتصادي، وحتى السياسي، ونحن كنا قد حددنا أهدافا عليا للبلد خلال هذه المرحلة الانتقالية، مثل أن يكون له دستور وطني، وأن تجرى فيه انتخابات ديمقراطية بعد إعداد مستلزماتها القانونية، وتكون الحكومة التي تدير الشأن، لاسيما في مرحلة الانتخابات محل توافق، ولا يطعنون في نزاهتها، أو ميلها إلى هذه الجهة أو تلك، ومن أجل إنجاح كل هذه الأهداف، ولأجل سد الذريعة أمام كل طعن، أو تشكيك، أو تردد، ولأجل تعميق الثقة بين كل العقلاء، والصادقين من أجل حمل هموم البلد، ومواصلة النضال لتحقيق أهداف الثورة. ومن أجل ذلك انتهجنا هذا المنهج، والمتمثل في حزمة من الإجراءات، ومن ضمنها تعهد هذه الحكومة الحالية التي أترأسها بالاستقالة في أجل محدد، ووفقا لخريطة طريق متفق عليها، وكل هذا مرتبط ببقية حلقات العمل الباقية، أي أنها حزمة مترابطة، ومتلازمة. ونعم.. في هذا الإطار بإمكانك أن تقول إن هذه الحكومة كاملة الصلاحية الآن، ولكنها إذا جرت الأمور (وهذا ما نأمله كما ينبغي في الحوار الوطني)، فإنها في أجل محدد ستستقيل، وفي الظرف الراهن يمكننا أن نسميها عرفا، حكومة تصريف أعمال، في انتظار تشكيل الحكومة الجديدة التي سيتوافق عليها، لتواصل حمل المشعل بمشيئة الله تعالى.
مطبات الفشل
ولكن عفوا معالي الرئيس، وإذا لم تجر الأمور في الحوار الوطني، حسب ما هو مأمول، هل ستستمر حكومتكم في أداء مهامها؟
- نحن لا نريد أن نفكر في صيغ الفشل، أو العجز، ولكل حادث حديث، ويمكنك أن تقول بأننا دخلنا هذا الحوار كأطراف سياسية واجتماعية بإرادة صادقة لإنجاحه، ونحن نعرف أن فيه «مطبات»، أقصد أن فيه مشكلات، وعوائق، وعراقيل، وسنجتهد جميعا لتذليلها، لأنه تقريبا لم يعد يوجد لدينا خيار آخر سوى أن ننجح في الحوار، ولكن إذا وجدت مشكلات، سنجد لها حلولا بعون الله.
كيف ستكون هذه الحلول؟
نتركها لوقتها بعون الله.
الإرادة
يعني العمر الافتراضي لحكومتكم، مرهون بمخرجات جلسات الحوار الوطني، سواء كانت إيجابية أم سلبية؟
(يرد في دهشة) قائلا:
- لا، لم أعرف بالضبط معنى العمر الافتراضي، الذي تقصده ؟!
أقصد من سؤالي، أنه قد تكون نتائج الحوار إيجابية، فينتهي دور هذه الحكومة، وقد تكون المخرجات سلبية، فتستمر هذه الحكومة؟
- الأمور ليست عملية رياضية، تصاريف الحياة السياسية والمرحلة التي نمر بها في تونس فيها كثيرا من الثراء والأحداث يمكن أن يؤدي الحدث في هذه الوجهة أو تلك، الذي أنا متأكد منه أننا متشبثون لإنجاح هذا المسار، معنى ذلك، بإمكانك أن تقول لو فشل جزء منه (أو لا قدر الله، ونأمل ألا يكون هذا)، أو إذا سعى البعض إلى إفشاله، فثمة مجموعة ستأخذ على عاتقها تصحيحه.
لا للمزايدات
معالي الرئيس، بمنتهى الصراحة، بما تردون على من يرى أن حكومتكم فاقدة للشرعية، حتى ولو لم تقدموا استقالتكم، لأن كل المنظومة السياسية المنبثقة عن الانتخابات فقدت شرعيتها بعد انقضاء المدة المحددة لمهام المجلس التأسيسي دون إنجاز المهام الموكولة؟
(اعتدل في جلسته ويرد في نبرة واثقة) قائلا:
- هناك أصوات تقول هذا الكلام، وبعضها قالت هذا حتى منذ تسلمنا للحكومة في ديسمبر 2011، أي مباشرة بعد نتائج الانتخابات الديمقراطية، وثمة من قال هذه حكومة لا تصلح، وفاشلة، قبل أن نبدأ، ونحن لا نرد على المزايدات، وهذا التحليل، أو هذا الرأي، الذي يريد أن يشكك في شرعية مؤسسات، لا أعتبر أن له مستندا من قانون، أو عرفا سياسيا، لأن المجلس الوطني التأسيسي عندما تسلم هذه السلطة بعد الانتخابات النزيهة في تونس، حدد قانونا انتقاليا اصطلحنا على تسميته قانون «المراقب»، يعني الدستور المؤقت الذي يدير هذه المرحلة، ريثما يكون لنا دستور، وهو بصدد النقاش، وفي هذا الدستور المؤقت الذي يقوم بتسيير أعمالنا فيه، أن المجلس الوطني التأسيسي يواصل تسيير شؤون البلاد في مستوى السلطة التأسيسية والتشريعية،
إلى متى ؟
إلى حين إفراز مجلس تشريعي جديد يتسلم هذه السلطة، وعندئذ يتم حل المجلس الوطني التأسيسي، وهذا هو نص القانون بالضبط.
حلول منطقية
ولكن لماذا لم ينجز المجلس التأسيسي مهمته في وقتها المحدد؟
- هذا نستطيع أن نناقشه، من خلال البحث عن إجابة لعلامة الاستفهام «لماذا ؟»، هل لأنه كان تقدير إنجاز الأمور في سنة، تقديرا غير دقيق، أم وجدت عوامل جديدة استثنائية في المنطقة ككل؟، أم ثمة من عرقل؟، يعني كل هذا يمكن أن نناقشه، فهذا ممكن الحديث فيه، ولكن لا يمكن أن يطعن أحدا في الشيء القانوني، أو أن يخرج من يقول إن هذا المجلس لم يعد شرعيا، مع أن الدستور نفسه الذي أسس عليه، يقول إلى حين إجراء انتخابات تشريعية جديدة، فيتسلم مكانه مجلس تشريعي، وهذه ليس فيها لبس، وما عداها فيمكن أن ننقد البطء أو التأخير أو عدم سرعة الإنجاز، ونتناقش فيه، وبالتالي نشدد على أنه لا من القانون ولا السياسة، أن مجلس تأخر في انجاز شيء، لأسباب داخلة في نطاقه أو خارجه، نقول إذن يجب حل هذا المجلس «لا ولا»، وإنما نقول يجب على المجلس أن يصحح خطأه، ولعل من باب التذكير، هل رأيت مجلسا تشريعيا «الحل كان حله»؟، في بلد حان موعد الانتخابات، وكان في حرب، أو في أزمة اجتماعية، أو لا قدر الله في كارثة طبيعية، لا، وأبدا لن يكون في حله، وإنما من خلال تسريع وتيرة إجراء الانتخابات، وإعداد مستلزماتها الذي هو للدستور، والهيئة المستقلة للانتخابات.
السقف الزمني
عفوا سيادة الرئيس، ولكن هل السقف الزمني مفتوح للمجلس حتى ينجز المهمة الموكولة إليه ؟
- وفقا لنص الدستور فإن السقف الزمني مفتوح، ولكنه في الذهنية العامة يدور حول السنة، والسنتين، والقياس بحسب ظروف البلاد، ومن ثم هناك شعور عام بأننا أبطأنا الطريق، على اعتبار أنه قد مر وقت طويل، وكان على المجلس أن يتوفق في دستور بأسرع من هذا، ولكن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هناك كثيرا من العوامل، لم تكن منتظرة، أومتوقعة، قد جرت بالبلاد، وعرقلة هذا العمل، أضف إليها حداثة التجربة، إذ إن الذين قدروا وقصدوا النوايا لإنجاز هذا الشيء في سنة، تبين لهم أنه لم يسبق لبلد واحد قام بثورة، ثم أنجز الدستور في سنة، بل كلها تراوحت بين ثلاث سنوات أو عامين ونصف، أو أربعة أعوام، وأن ذلك قد تبين بالفعل عندما دخلنا في هذا. دستور الثورة وأضاف قائلا: إذا أردنا أن يكون هناك مقياس لزمن الإنجاز، علينا أن نعود إلى عام (1956) وعقب الاستقلال مباشرة، وتم تشكيل المجلس القومي التأسيسي، لإعداد الدستور، والذي قضى فيه ثلاث سنوات، ومع ذلك قلنا بما أننا في ثورة وفي زمن مختلف تماما، فعلينا أن نسرع الخطى، إلا أنه قد تبين لنا بأن الأمر أعقد نسبيا مما كنا نتصور، ورغم هذا وذاك فأظن أننا على وشك اختتام هذه المرحلة، لأن الدستور جاهز، أو يكاد يكون جاهزا في نسخته، التي من المفترض أن تناقش في الجلسة العامة، إلا أشياء قليلة يتوافق عليها منذ أغسطس الماضي أو شهر يوليو الذي سبقه، إبان حادثة اغتيال الشهيد براهمي (رحمه الله)، آنذاك كان المجلس يتهيأ لمناقشة وإفراز هذا الدستور في شهر سبتمبر حسب تقديراته، إلا أن العمل قد توقف وتعطل المجلس، إلى أن عاد ورجع منذ أيام قليلة.
صبر الابتلاءات
معالي الرئيس، طالما وما دمنا قد وصلنا إلى حادث اغتيال براهمي، فهذا يعيدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلا، وبالتحديد شهر فبراير الماضي، الذي تم فيه اغتيال شكري بلعيد، في عهدكم وكنتم وزيرا للداخلية، والغريب أنه قد تمت ترقيتكم، ولا أقول مكافأتكم، فأصبحتم تتولون رئاسة هذه الحكومة، كيف تفسرون لنا هذا التناقض رغم أنكم لم تقبضوا حتى الآن على من قاموا بهذه العملية؟
(يبتلع ريقه، ويأخذ نفسا عميقا)، ثم يرد قائلا:
- هذا سؤال مهم، أولا هي ليست مكافأة، لأن إدارة شأن بلد مثل تونس خلال هذه المرحلة المليئة بالتحديات، والطموحات، والصعوبات، وبعد ثورة، وفي منطقة، وإقليم، صار فيه زلزال من الثورات، ويلعب فيه الإرهاب، بل وجد فيه متسعا لكي يفعل أفاعيله، فإن يتم تكليف أحد بالسلطة فهي ليست مكافأة، وإنما هي في نظري، ومع كل التواضع أمامك، كان استحسانا للشخص الذي يستطيع أن يصمد على هذه الابتلاءات والمحن، هذا أولا. تكليف لا تشريف (يكمل حديثه) قائلا: الشيء الثاني المهم، إنه لم يكن هناك حكم مجمل وجماعي على أن وزير الداخلية أو وزارته، قد أخلت بطاقتها في العمل، إلا لمن كان يظن أنه بعد الثورة ستكون الأمور سهلة، ومن هنا أقول إن وزارة الداخلية التي كنت أشرف عليها، قد عملت أقصى ما في استطاعتها، ولا نقول إننا لم نخطئ، ولكن نظن أننا قد أدينا قصارى جهدنا، ولم نبخل بما لدينا، ولا بالتنسيق، ولا بالشراكة، ولا بالحزم، أو بالليونة في أبوابها، ومن هنا كان أمرا طبيعيا أن أدعى لهذه المهمة، فأنا لم أطلبها، بل إن الحركة التي أنتمي إليها عندما بحثت عن شخص لرئاسة الحكومة (عقب استقالة الأخ حمادي جبالي) طلبوا مني، فلبيت الدعوة، من دون أن أبحث لا عن وزارة الداخلية في الأولى، ولا عن رئاسة الحكومة في الثانية، كما أنني لا أبحث عن الاستمرار أيضا، وبالتالي فهي إذن ليست مكافأة، بل ولا تشريفا، وإنما هي تكليف بمعنى الكلمة في ظل هذه الظروف التي تمر بها تونس، حيث إنها تحتاج إلى تضحيات، وصبرا، وأن يكون الإنسان من أجل البلد مستعد فعلا لأن يتجرد، ويتخلى عما يجب التخلي عنه، ويتحمل ما يجب أن يتحمله، ومن أجل هذا بمشيئة الله سنكون عند هذا المستوى.
أنصار الشريعة
في إطار هذا التكليف، لما عجزتم حتى الآن عن التقاء الخيوط في حادثتي الاغتيال اللتين أثارتا ضجة، وفجرتا الأزمة في تونس؟
(يرد بلهجة حادة) قائلا:
- لا، نحن قد فككنا هذا التنظيم المسمى أنصار الشريعة، والذي يقف خلف اغتيال الفقيدين (بلعيد، وبراهمي)، وحتى غيرهما من شهداء جنودنا وقوات الأمن الداخلي، وقد عرفنا الخلية، والأشخاص الذين قاموا بالاغتيال، وقبضنا على عدد كبير منهم، وهم بالسجن، وقد اعترفوا بما فعلوا، وكيف فعلوا، والباقون في حالة فرار، ونتعقبهم، ونلاحقهم، أينما كانوا هنا أو في أي بقعة من العالم، حتى تقول العدالة كلمتها، فالموضوع قد تم حسمه من هذه الناحية، كما نستمر في ملاحقة بقايا هذه العناصر التي رفعت السلاح في وجه المجتمع، ولم تقتل رمزين سياسيين فحسب، بل قتلت جزءا من جنودنا، نحن في (أتون) حرب معها، ولكنها حرب غير تقليدية، لأنه ليس عدو ظاهر، وإنما هي مجموعات من الشباب، المسكون بالغلو، والذي يمكن أن يرتكب أي حماقة، ونحن اتخذنا خطوات كثيرة، ونفرق بين التدين، الذي هو حر، يتدين بالشكل الذي يراه على المستوى الشخصي، وبين الذي يحمل السلاح للانتقام، أو للإكراه، أو لأنه يكفر أو يجهل غيره، ومشكلتنا على مستوى الإرهابيين، مع هؤلاء، وأما مع الآخرين، الذين لديهم غلو، أو نظرة ضيقة للدين، ولكنهم مسالمون، تعاملنا معهم، يكون عبر مناقشتهم في مجال التربية، والشرع والدين، والإعلام، والثقافة، أي كل الوسائل الديمقراطية التي تحاصر الأفكار، التي فيها غلو في هذه الوجهة أو تلك.
الابن النهضاوي
ولكن يا معالي الرئيس، في إطار تصنيفكم لأنصار الشريعة، قد أعلنتم بأنهم تنظيم إرهابي، فما حقيقة ما يقال، عن انتماء نجلكم لهذا التنظيم الإرهابي؟
(يمتعض، وتكاد ترتفع نبرة حديثه) قائلا:
- ليست هناك ذرة صحة في هذا الكلام، لأن ابني المتحدث عنه ينتمي لحركة النهضة، وتفكيره، هو تفكير كل حركة النهضة، وليس له أي صلة، ولا قناعات مما هو متعارف عليه من السلفية، ومن باب أولى كما يسمونها، السلفية الجهادية، أو أنصار الشريعة، فلا صحة إطلاقا لهذا، وهي كلها مناكفات، لي ولحركة النهضة وله هو.
هل تقصد أنها مناكفات من خصومكم؟
(يرد بحزم) - نعم من الخصوم، وأشياء هكذا، فيها مبالغات وكذب أيضا.
بعيدا عن المبالغات
معالي الرئيس، (وقبل أن أكمل سؤالي قاطعني) مواصلا رده على السؤال السابق قائلا:
- وعلى فكرة ابني منتخب في مجلس شورى حركة النهضة، ومن ثم فهو ليست له أي صلة بموضوع أنصار الشريعة.
الحقيقة التاريخية
بعيدا عن الشريعة وأنصارها دعنا نتوقف قليلا عند النظام المخلوع (نظام بن علي)، الذي اشتهر وامتاز بأنه كان نظاما صارما فيما يتعلق بالأمن، ولم تشهد تونس في هذا العهد أي أعمال إرهابية، بينما في عهدكم أنتم، قد فشلتم في التعاطي مع الملف الأمني، وارتفع منسوب ظاهرة الإرهاب، ولهذا فإن المواطن التونسي يعقد مقارنات ويتحسر على الزمن السابق، فبما تردون على ذلك؟
(وهنا أجاب بنبرة فيها كثير من الحزم والحسم) قائلا:
- لا أظن أن الأمر كما تقول، بل الحقيقة التاريخية، أنه في عهد بن علي حصلت كثير من الأعمال الإرهابية، هذا المعلوم منها لدى الخاصة، بينما هناك الكثير مما هو غير معلوم، فقد حصلت عملية تفجير في جربة عام 2002، ذهب فيها عدة عشرات، وحصلت عملية عام 1997، قتل وذبح فيها عدد (7) أشخاص، من أبنائنا في الحرس الوطني، ولم يسمع أحد بهذا، إلا بعض الخاصة كما حصلت عام 2006، يعني بداية 2007، في سليمان، مواجهات بقيت لعدة أسابيع مع عدد من العناصر، وذهب ضحيتها أيضا عدد من الجنود وقوات الأمن، وكانت هذه عمليات كبيرة جدا، استعمل فيها الجيش، والأمن، وضحاياها كانت بالعشرات، لأن الإعلام لم يكن يتجرأ أن يتكلم عن أي شيء، ولا يمكن للجمهور أن يتحدث عن شيء من هذا القبيل، وهكذا كان مستوى الوقائع، حتى لا يذهب بك الظن بأنه في عهد بن علي لم تكن هناك عمليات، بل كانت هناك عمليات، مثل ما هي الآن وربما أكثر، ولكن التعتيم الإعلامي لم يطرقها.
ولكن هذا الكلام، يجرنا إلى.. خطيئة بن علي (ويقاطعني قبل أن أكمل السؤال) قائلا لحظة:
- إن منهج بن علي في التعاطي مع الشأن العام، السياسي منه أو الاقتصادي، هو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن، من القطيعة بين السلطة والشعب، إلى الاستبداد، والضحايا عبر العشرين أو الثلاث والعشرين سنة التي مكثها، كانوا بعشرات الآلاف ما بين السجون والمنافي، والقهر الداخلي، وإلى التهميش الاجتماعي، حتى جعلنا نثور، ونقدم في الثورة أكثر من (320) شهيدا ونحو ثلاثة آلاف جريح، أضف إلى هذا وذاك، الأضرار المادية، هكذا انتهى بنا حكم بن علي، أهذا هو الجانب الأمني، الذي أشدت به وتعتبر أنه قد نجح ؟. أقاطعه قائلا (أنا لم أشد به معالي الرئيس).....
يأخذ نفسا عميقا ويكمل كلامه قائلا:
- إن بن علي يتحمل مسؤولية الإرهاب، ومن ماتوا شهداء من المناضلين، من الإسلاميين، لا أقول بالعشرات، وإنما بالمئات (وأنا أعرف عما أتحدث)، هناك الشهداء بسبب التعذيب والتجاوزات، وعشرات الآلاف من المهجرين، ومن المساجين، وأولئك الذين لم يستطيعوا أن يتكلموا، حتى جاءت الخاتمة بالثورة، وكان أفضل قرار اتخذه حينذاك، قرار سفره بسرعة، إذ إن النظام قد رضخ أمام ثورة شعبه، وربما كان هذا أحسن قرار أظن قد اتخذه في التخلي بسرعة عن السلطة، بدلا من أن يدفع البلاد نحو مزيد من حمامات الدماء، وحدوث مجزرة شاملة، وقد رأيتم الأشقاء في ليبيا كم عدد الضحايا، وكذا الأشقاء من الشعب السوري، بسبب التعنت.
التدين والغلو
ولكن معالي الرئيس، كلامكم عن عمليات إرهابية في النظام السابق ومواصلتها الآن، هل يعني هذا أن تونس قد أصبحت بيئة حاضنة للإرهاب، في العهدين السابق أو الحالي؟
(بالسبابة ملوحا) وهو يردد بصوت مرتفع قائلا: لا لا، من حيث المبدأ فإن تونس بصفة عامة، هي بيئة طاردة للإرهاب، ومناهضة له، وتكوينها، والمزاج العام الشعبي، هو مزاج نسبيا يرفض الإرهاب، الغلو، سواء كان هذا الغلو على أساس الدين، أو العلمانية، أو التطرفات اليسارية، وأن السمة الغالبة على قطاعات عريضة من المجتمع هي الوسطية، ولكن الموجة التي شهدها العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص، وخاصة بعد هجمة التحديات الكبرى التي حدثت في فلسطين، وأفغانستان، وغيرهما، فإنه بطبيعة الحال المواطن التونسي كمواطن عربي مسلم يتفاعل مع الأحداث التي تمر بها أمتنا العربية والإسلامية، وتعرفون أنه على الساحتين العربية والإسلامية، هناك شعور بالقهر، من أن أنظمة الدول العظمى كانت غير عادلة في تعاطيها مع قضايا الأمة، وقد مارست القهر، وانحازت للكيان الصهيوني، كما دمرت العراق، وقس عليه.
إفلاس القاعدة
وأضاف قائلا: هذا الشعور قد أفرز ما حدث في عام 2001، رغم أننا نرفضه من الأساس، ولكنها جعلت جزءا من الشباب يظن أن ذاك المنهج، هو الذي ينتقم به من الذين داسوا على قيمنا، وعلى أراضينا، وانتهكوا أعراضنا إلى آخره، وهو منهج خاطئ، لأنه منهج استغل الحالة النفسية التي عليها الشباب، واحتاجت الأمة شيئا من الوقت حتى تتبين أن هذا المنهج الذي تتبعه القاعدة، منهج خاطئ دينيا، ومفلس سياسيا، واجتماعيا، أظن الاتجاه العام الآن نحو الرشد، وقد تبين أن المقاربة الصحيحة، هي مقاربة الوسط، ومقاربة الشعوب، التي تحافظ على الدولة، أو تثور، أو تناضل ضد الاستبداد، حتى يتمكن النظام، إما أن يصلح حاله، وهذا ما حدث في عدد من الدول، ذاك الضغط الشعبي، الذي لا يهدم الدولة، يفرق بين دولة ونظام يحكمها، فهو يحافظ على الدولة، وعلى المكتسبات، ويريد إما أن يصلح النظام، أو يسقط النظام، فحيث استجابت الأنظمة إلى الإصلاح وأخذت الأمور بأقل التكاليف، ومضت تتقدم، وحيث الأنظمة مارست القهر، والظلم، وأصرت على القمع، كان الشعار (اعتصام، اعتصام، حتى يسقط النظام)، أو كما يحدث في بعض الدول الآن صدام، صدام، حتى يسقط النظام، وهو ما حصل.
جهاديات النكاح
معالي الرئيس، اسمح لي أن أتوقف عند قضية جدلية أثارت الرأي العام العربي، عن وجود فتيات تونسيات وقعن ضحايا لما يسمى جهاد النكاح، كيف تابعتم هذا الموضوع؟، ومن الذي يقف وراء هذه القضية، أو تشجيع فتياتكم على هذه المسألة بعيدا عن المساءلة؟
- هذا الموضوع، هو مقلق جدا، وأنا شخصيا لا أملك المعلومات الكافية، وأعني المعلومات القاطعة، التي تخول الجزم بوجود هذه الظاهرة، ولا سيما هذا المصطلح الذي أنت ذكرته، يعني لنفرق بين أمرين، بين أن توجد فتيات من هذا البلد أو ذاك، يمكن أن يقع استغلالهن في فساد، فهذا موجود في كثير من البلدان، ولكن أن توجد فتيات متدينات، تعتقدن بأنه بهذا العمل المشين تؤدين عملا فيه طاعة لله ورسوله، فليس لي أي دليل قاطع يسمح لي بالقول بأن أجزم بذلك أو أثبته، وكل ما هو موجود، مجرد أقوال وتصريحات، واعترافات من هذه الجهة أو تلك، وأشياء تنسب إلى أناس يتحرجون من أن يذكروا أسماءهم، والتحريات متواصلة، ولذلك أنا اتحفظ على الجزم بوجود تونسيات يمارسن هذا العمل المشين، ويدعين بأنه عمل ديني مشروع، لم أسمع، وليس هناك أي دليل قاطع لأي واحدة تكون فعلا فتاة متدينة وتقول هذا الشيء، وأما ما تم قوله وتركيبه من هنا أو هناك، فهو مازال قيد التمحيص، ولذلك اتحفظ على الإثبات، واتحفظ على النفي الكلي، فالموضوع بصدد التمحيص.
تحت قبة البرلمان
ولكن هذا الموضوع أخذ بعدا رسميا من خلال ما أعلنه وزير داخليتكم تحت قبة البرلمان؟
- صحيح، تحدث وزير الداخلية في هذا الاتجاه، والتقطت وسائل إعلام كثيرة (وبصوت خافت)، ولحاجة في نفس يعقوب أيضا، ولم تكن ذلك بتجرد، وإنما في سياق حملات على الحكومة، وعلى شيء من هذا القبيل، وموجهة أيضا ضد التدين كنمط، إلى آخره، ولكن كخلاصة لكل هذا، أنا لا أستطيع في مجمل ما تمحصت فيه من أدلة وقرائن، ولا أملك أن أقطع بوجود فتيات متدينات ذهبن إلى ساحات (الوغى) للقيام بمثل هذا العمل، اعتقادا منهن بأنهن بهذا العمل يجاهدن، فهذا ليس لي عليه أي دليل، وأما أن يكن فتيات أخذن لهذا الشيء أو شيئا آخر، فربما، وعلى أي حال، الموضوع قيد التمحيص، ولا أستطيع الإفتاء قبل أن تكون المعلومات قاطعة.
الضوء الأخضر
إذا فمن الذي أعطى الضوء الأخضر لوزير داخليتكم لإعلان مثل هذا الموضوع المثير للجدل؟
وقبل أن أنتهي من السؤال، (أجاب سريعا) قائلا:
- وزير الداخلية في بلدنا لايحتاج إلى ضوء أخضر، فهو لديه ضوء أخضر مفتوح، وهو شخص مسؤول أمامه قرائن وأدلة ومعطيات من هنا وهناك، وأكثر مكان تتجمع فيه المعلومات هو وزارة الداخلية، وتلك وظيفتها، ويحاول أن يمحص ما هو القاطع منها مما هو ظني، وهكذا، ثم بعد ذلك يتم إعطاء المعطيات، وممكن لإنسان أن يتجه رأيه بناء على معطيات أولية، وممكن بعد ذلك أن تتأكد أو يظهر فيها لاحقا شيء من التأويل ومن هذا القبيل، على كل حال، أنا لا أستطيع أن أنفي ما قاله ولا أثبت، هناك مسألة دقيقة، أريد أن أكررها حتى لا يقع اللبس، القول إن هناك فتيات متدينات عزمن على الذهاب بنية الجهاد، ومارسن هذا على سبيل الممارسة، على اعتبار أن هذا جهاد، أقول: القول بهذا مازال يحتاج إلى إثبات، وليس عندي عليه دليل يقطع به، ولا دليل ينفيه، وكل ما وجد فيه، لابد أن تجد فيه نقطة استفهام من جهة، هل هي فعلا فتاة متدينة أم لا، هل هن كثيرات أم لا، إلخ، ولذلك أنا بصفة عامة أقول، حتى إن وجدت، حالات جد معزولة، فما وقع من حديث عن تونسيات وتونسيين، في الحقيقة هو مبالغ فيه جدا، معناها لا أستطيع القول، وأكاد أن أنفيه في هذه الخلفية، ولكن معناه، أن هناك عملية توظيف حتى لهذا الاسم أو النعت (لم أنطقه بعد)، ولا أدري من ابتدعه، وأشك في أن يكون بعض الذين نسب إليهم هذا العمل، هم الذين قد سموه كذلك، ولا يوجد أصلا حتى في الفقه الاسلامي مثل هذا الكلام، أو على حد علمي على الأقل.
صلاة الجنازة
معالي الرئيس، اسمح لنا بعيدا عن جهاد النكاح أن نواصل جهادنا الصحفي، بحثا عن الحقيقة، ونتوقف عند موضوع مهم، يتعلق بحكومتكم الموقرة، كيف تابعتم الدعوة التي أطلقها أئمة مساجد في تونس لأداء صلاة جنازة على حكومتكم بسبب ما اعتبروه فشلها في إيقاف التطرف الديني، ومساهمتها في نشر الخطاب الحزبي البعيد عن الدين؟
(وكأن السؤال جاء على غير التوقع، وبعيدا عن حساباته، فرد بدهشة) قائلا:
- أنا لم أسمع بهذه الدعوة.
استغرب أنكم لم تسمعوا بهذه الدعوة، رغم أن وكالات الأنباء العالمية تتناقلها؟
- أنا أعمل من أجل بلدي، والحقيقة ليس لي وقت على أن أرد على كل ناعق، يبحث عن الإثارة أو الحضور في مستوى وسائل الإعلام أو إلى لفت الانتباه إليه، وأما الشعب فيمكنك أن تسأله عن جدية هذه الحكومة، وعلى مصداقيتها، والصعوبات التي اعترضتها، ونجاحاتها الكثيرة، وإخفاقاتها، والشعب يعرف ذلك، ولكن أنا لا أستطيع أن أرد على كل واحد، وخاصة في ظل الحرية، وعلى كل حال فإن أئمة المساجد يؤدون أدوارهم في المساجد بصفة طوعية، ويقيمون صلاة الجنازة على من نفقدهم من التونسيين والتونسيات لا غير.
أيقونة «ديغاج»
في إطار بعيد عن هذا الموضوع، ولكن قريب منه من زاوية أخرى، ماذا يعني لكم عدم الترحيب بكم في أكثر من مناسبة، مع أركان الحكم الآخرين، واستقبالكم بشعار (ديغاج) أي أرحل، ألا يعكس ذلك نوعا من الملل الشعبي من حكومتكم، وبالتالي فقدان شعبيتكم وتآكل شرعيتكم؟
(نظر لي بحدة ممزوجة بالعتاب) قائلا:
- هذا الحكم الذي ذكرته ليس صحيحا في الواقع، تقول إنني استقبل بديغاج في عدة مناسبات، فلا.. ولا.
عفوا معالي الرئيس وماذا عما جرى في المناسبة الأخيرة؟
- أولا هي واحدة، وثانيا أنت تقصد لا شك ما حدث في تأبين العوينة، إذن هذه واحدة، وإذا أردت أن تعرف، وأنت تتحدث عني كرئيس حكومة، حجم الرضا الشعبي عن شخص من عدمه فاسأل المواطنين، إلى أي مدى أنتم راضون عن أداء رئيسكم، وعن أداء رئيس الحكومة، عندي استطلاعات من هنا وهناك، أما إذا كنت تقصد الذين يعارضون عمل الحكومة ويناكدونها، فأولئك هم أنفسهم المجموعة الذين هم في كل مناسبة حاضرون، وأولئك الذين قالوا لنا أنتم حكومة غير شرعية وستفشلون قبل أن نقسم اليمين بعد الانتخابات، بعض منهم قال إنه آسف على تلك الانتخابات، التي افرزت زيدا أو عمرا، وبالتالي، لا أتوقع منهم أقل من ذلك، أنا اتوقع أن أجد منهم المعارضة، والتنديد، والحكم بالفشل، وأن كذا إلى آخره، ولكن البلاد لن تتوقف، وماضية في طريقها، وطريقها هو إنهاء هذه المرحلة الانتقالية بتضافر جهود كل عقلائها، والغالبية الساحقة من شعبها، وهو أن يكون لها دستور، وأن تكون لها مؤسسات شرعية مفرزة عبر الانتخابات، وأن تكون في حالة أمن وسلم داخلي، وأن تكون متوحدة إزاء التحدي الأكبر، وهو الإرهاب، والتنمية إلى آخره، والأخطار الخارجية التي من الممكن أن تهدد حدودنا، وهذه بصفة عامة ما يجمع الغالبية الساحقة، وأما في بعض الذين يقولون ما يريدون، فهذا من تمام الحرية، ومن نتائج الديمقراطية، وأيضا من نتائج نقص النضج في ممارسة الديمقراطية، فتجد إنسانا يعتبر أن الحرية تخوله قول أي شيء بما في ذلك الأشياء التي تضر بالآخر، أو بالبلد، أو تشوه صورته، أو تمس علاقاتنا مع جيراننا، أو تمس علاقاتنا مع بعض الدول الشقيقة، وقطر إحداها، أو تمس علاقاتنا مع الدول الصديقة، لأنه لا يهمه ولا يفكر في المصلحة العامة، بقدر ما يفكر في طريقة لمناكدة، أو لتشويه زيد أو عمرو.
شارع الحبيب
عموما، من غرفتي المطلة على شارع الحبيب بورقيبة، في فندق إفريقيا، أستطيع قياس اتجاهات الرأي العام التونسي، لأن هذا الشارع هو أيقونة «ثورة الياسمين»، ومن خلال وجودي في بلدكم، رصدت مظاهرات يومية في هذا الشارع، قد تكون ضد الحكومة، وربما معها؟
(يقاطعني) قائلا: -
شارع الحبيب ليس هو المقياس، لأن هذه هي العاصمة، فهناك مدن أخرى وريف وهكذا، ولكن وددت فعلا، أن تكون من شارع الحبيب بورقيبة، تنظر فعلا في هذه المسيرات، وتقول هذه المسيرة ضد الحكومة، وتحسب كم فيها، وهذه مسيرة تندد بالعنف والإرهاب، ومع الحكومة، وتحسب كم داخلها، وأنا أطلب منك أن تأخذ فقط نصف المسيرة المؤيدة للحكومة وتقارنه بالمجموعة الأخرى، أنا مسامحك في النصف، لتنحيه جانبا، ولكن أحسب النصف وقارنه بالأخرى.
بعيدا عن المقارنات، مازلنا في تقييم أداء حكومتكم الموقرة، ويرى كثيرون أن الأداء الاقتصادي للحكومة في عهدكم كان هزيلا، وأنكم فشلتم في تحقيق طموح الشعب التونسي للوصول إلى التوازن الاقتصادي على وجه التحديد؟
(رد متسائلا) قائلا:
- يعني الموضوع الاقتصادي، كيف يمكن أن نتناوله، حتى نقيس حجم النجاح والفشل؟، نبدأ مثلا بأخذ مثال على عام 2011، فنحن جئنا للسلطة قبل أسبوع من عام 2011، وعندما دخلنا السلطة كانت نسبة النمو، سالب (2) في المائة، أي (2) تحت الصفر، وعندما أنهينا عام 2012، كانت نسبة النمو (3.6) في المائة بالموجب، من يريد أن يسمي هذا فشلا، فله ذلك، هذا ليس فشلا، بل هو نجاح، ولكنه أقل مما كنا نطمح، لأننا كنا نريد أن نصل إلى ما يزيد على (4)، في السنة الأولى، كنا متوقعين أن نكون في حدود (3)، ولكننا حققنا أفضل مما كنا ننتظر، وعام 2013 كنا نأمل أن نواصل هذا التحسن، ونصل إلى فوق (4)، ولكن تراكم الأزمات الأولى، عندما تم اغتيال شكري بلعيد، وما تلاه من أوضاع اجتماعية وسياسية واحتقان، وتغيير للحكومة، وتشكيل حكومة جديدة، ثم لم تمر أربعة أشهر، حتى جاء اغتيال البراهمي (رحمه الله)، فمررنا بمرحلة نحو 3 شهور، حدث فيها المجلس الوطني التأسيسي، ولكن مع كل هذه الصعوبات الداخلية والأزمات والمسيرات والمظاهرات، والاعتصامات، والإضرابات، ومع كل المخاطر الخارجية، من حرب في مالي أثرت في تونس، ومن أوضاع لدى الشقيقة ليبيا أيضا أثرت نسبيا في الحدود التونسية، ومع كل ذلك، نحن الآن وقد مرت ثلاثة أرباع السنة، نحن في معدل نمو ب (3) في المائة بالموجب، رغم كل هذا، ومحيطنا الإقليمي معدل النمو فيه أقل من (3) بالمائة، في شمال إفريقيا المعدل العام هو (3) في المائة، نحن في (3) بالمائة رغم حالنا، ثم فيما يتعلق بالمشاريع التنموية مثلا، ولمن أريد أن أعطيه فقط بعض النماذج، ولنأخذ مثلا (2008، 2009، 2010) وقبل الثورة، معدل النمو (3.15)، ونحن معدل النمو (2012، 2013) هو معدل (3.20) حتى الآن، أي أننا أفضل من السنوات التي أطلق عليها سنوات الاستقرار، وتلك الأرقام تجيب بنفسها، وليست مجرد تحاليل، ولنعطي بعض العينات، ولنأخذ مثلا على مستوى بعض البرامج الجهوية، مثلا في سنوات من (2000 حتى 2010) كان معدل الطرقات والمسالك بالكيلو متر في السنة، لا يتجاوز نحو 200 كلم في العام، عام (2012، 2013) المعدل السنوي (836) كلم، أي (318)، تضاعف ثلاث مرات، وخذ التنوير الريفي، إيصال الكهرباء للعائلات بالريف، وبحسب عدد العائلات، عام (2008، 2010) المعدل السنوي هو (2300) عائلة، عام (2012، 2013) المعدل العام (5400) عائلة، أكثر من (200) في المائة، وخذ الماء الصالح للشراب، وبحسب عدد العائلات، في عام (2008 إلى 2010) المعدل السنوي، هو (3600) عائلة يبلغها الماء الصالح للشراب في السنة، وفي عام (2012، 2013) المعدل السنوي هو (24200) عائلة في السنة، أي (570) في المائة، وقس عليه، وتحب نزيدك نزيدك، وهذا كله يقع غمطة ولا يقال، ولا يعلم به الناس، ولكن نحن نعلم للناس، ونشهد الله سبحانه وتعالى، ونعرف أن هذا النفع هو للبلد بصفة عامة، وأنه بشكل تدريجي الناس يقارنون، وأستطيع أن أعطيك في كثير من المجالات. على أن هناك مجالات قد أخفقنا فيها، وأنا قد ذكرت لك أمثلة من النجاحات، ولكن وجدنا صعوبة في تنمية الاستثمارات، وحتى الاستثمار الخارجي، كان قليلا، بسبب أن الاستثمار يتأثر كثيرا بالاستقرار السياسي، والأمني، ونحن عندنا مشكلات أمنية نعالجها، ومشكلات سياسية لم نصل بعد إلى حكومة خمس سنوات، حكومة مستقرة، حتى عندما يكون هناك ثمة استقرار يقولون على كل حال هذه حكومة انتقالية، لننتظر حتى تأتي الحكومات، وزيادة على هذا دخلنا في إصلاحات كثيرة، ومنها، إصلاح النظام البنكي، إصلاح الجباية، وإصلاح الصناديق، وإصلاح مجلة الاستثمار، وعما قريب سيوافق عليه مجلس الوزراء، أي دخلنا في إصلاحات تعطي ثمارها بعد عام أو اثنين، وهكذا. شائعة الإفلاس كل هذه الأرقام التي تحدثتم عنها بإيجابية طبعا، ولكن ماذا عن ما يثار حول أن تونس تقف على حافة الإفلاس، فما حقيقة العجز في موازنة الدولة الذي يقترب من ثلاثة مليارات دولار تقريبا؟ - بلادنا بعيدة تماما عن الإفلاس، هذا مع الأسف كلام يقول به أناس لغايات سياسية، حتى وإن سموا أنفسهم خبراء اقتصاديين، لأن البلاد بشهادة خبراء الاقتصاد الحقيقيين، بعيدة تماما عن موضوع الإفلاس، عندنا مشكلات حقيقة، وهي تكمن في التالي، نسبة النمو التي حققناها، ليست في المستوى الذي يلبي لنا ما نريده من تحقيق تنمية في المناطق النائية، والمهمشة، والوصول إلى نسبة تشغيل كبيرة، البطالة التي يعاني منها الشباب فيتونس تحسنت في السنوات الثلاث الماضية، أو على الأصح في سنتين، أي من نهاية 2011، وإلى شهر سبتمبر الماضي، انقصنا ثلاث نقاط في المائة في البطالة، وهذا ليس سهلا في المحيط، في بعض الدول تزيد فيها البطالة، وليس العكس، نحن نتعامل مع أوروبا، واستيرادنا وتصديرنا لأوروبا، وأوروبا تعيش أزمة، والسياحة أحد القطاعات الرئيسية، وعندما تعيش أوروبا أزمة، تأثر عندنا سلبا، إلى آخره، ولكن مع ذلك أمكن، كما تقولون نعوض قطاعا بقطاع، في المجمل، نحن إذا أخذنا بعين الاعتبار ما تمر به البلاد من مرحلة انتقالية، وما يمر به العالم الذين تعاملوا معه من أزمة اقتصادية حادة، إلى حد ما في أوروبا، نحن في وضع أفضل، لكن إحدى مشكلاتنا، كما أشرت، هي أن الاستثمارت ليست في الحجم، والنمو ليس في الحجم المطلوب، ولكن في السنوات القادمة مع الاستقرار السياسي، ومع الإصلاحات التي أقمنا عليها تتسارع وتيرة النمو الاقتصادي، وكذلك أيضا هناك ضغط كبير على الميزان