تفاصيل مشروع الجبهة الشعبية "البديل" لميزانية الدولة
زووم تونيزيا
| الثلاثاء، 11 مارس، 2014 على الساعة 00:33 | عدد الزيارات : 760
بعد أن أعلن رئيس الحكومة المؤقتة مهدي جمعة ،في أوّل لقاء تلفزي له بعد تولّيه رئاسة الحكومة، رسميا عن الأزمة…
لاقتصادية في تونس، قذّمت الجبهة الشعبية مشروعا بديلا لميزانية الدّولة، تمّ تقديم نسخة منه مفصلا لوزير الماليى بحكومة مهدي جمعة.
وحاولت الجبهة في مشروعها البديل المعادلة بين الثروة والاعتماد على القدرات الذاتية في تحقيق التوازن الاقتصادي فالاجتماعي والسياسي، بالإستعانة بمجموعة من الخبراء وهم على التوالي لطفي بن عيسى ومحمود مطير وحسين الرحيلي ومصطفى الجويلي، وقد اعتمدت لجنة الدراسات والاستشراف الاقتصادي على المعطيات الرسمية والدراسات العلمية حسبما ورد في وثيقة التفسير.
اعادة النظر في الأساليب الاقتصادية
بالنسبة الى الجبهة الشعبية، وهي ائتلاف جبهوي يضم قوى يسارية وقومية تقدمية وبيئية، تعتبر أن الخلول التي قدمتها الحكومة المؤقتة الحالية، في اعتماد المنوال الليبرالي الذي تتخلّى فيه الدولة تدريجيا عن مسؤوليتها الاقتصادية والاجتماعية، لن يؤدّي الى الحلول التي تُخرج البلاد من أزمتها، اذ توخّى بن علي نفس المنوال واعادت انتاجه الحكومات المتعاقبة بما فيها حكومة الترويكا، وهو ما أدّى حتما الى نفس الأزمة، اذ أن المنوال الذي اتبعه بن علي واتبعته الترويكا لن يؤدي الا الى مزيد تفقير وتهميش الفئات الشعبية، فالفقير يزداد فقرًا والغني يزداد غنًى.
اذ أن ما قاله رئيس الحكومة السابقة علي العريض، بأن النهضة خرجت من السلطة حبا لتونس وللمساهمة في التوافق الوطني، لم يكن أمرا حقيقيا بالنسبة الى خبراء الجبهة الشعبية، اذ أنهم تركوا البلاد على حافة الافلاس، وفرّوا من الأزمة ليرموا بالمرة لغيرهم، واعتبر الخبراء بأن حكومة العريض لم تعط الحقيقة للشعب عندما انكرت الأزمة واعتبرت أن الوضع الاقتصادي في البلاد هو وضع جيّد، اذ كذّبهم المهدي جمعة عندما قال ان الأزمة في تونس هي أزمة شاملة، وقال حمة الهمامي الناطق باسم الجبهة الشعبية انهم نبهوا قبل ستة أشهر من أن الوضع خطير وأن السلطة ستضطر لكشف الحقيقة والاعلان عن الأزمة واعتبر أن ذلك لم يكن من باب التنجيم بل كان بالاستناد الى معطيات موضوعية وتحاليل علمية، وتساءل حمة الهمامي عمّن يتحمّل مسؤولية الأزمة. وقال ان حكومة الترويكا التي أعادت انتاج منظومة بن علي الاقتصادية، هي المسؤولة، اذ اتسمت فترتها بسوء التصرف واهدار المال العام ومزيد تفشي الفساد، وطرح حمة الهمامي فرضيتين للاشكالية، الأولى باتباع نفس الوسائل والاساليب والمنهجيات والعناصر التي قادت الى الأزمة الراهنة من خلال الاعتماد على المديونية الخارجية والتخلي عن دعم المواد الأساسية وتجميد الانتدابات والترفيع في سعر المحروقات، وهي أهم عناوين ميزانية 2014 التي قدمتها حكومة علي العريض، أو اعتماد الجرأة في توخي أسلوب جديد يضمن استقرار البلاد اقتصاديا واجتماعيا ويحمي الفئات الضعيفة والمتوسطة ويعتمد على المديونية الداخلية وليس الخارجية لتحقيق الثروة وتشغيل المعطلين وتنمية الجهات.
قيادات الجبهة الشعبية اختارت التوجه الثاني، ولتحقيقه اعتمدت على خبراء في مختلف المجالات التي لها صلة بالاقتصاد والجباية والبيئة، وقدّمت مشروع ميزانية بديل عن المشروع الذي تقدمت به حكومة الترويكا.
الترجمة العملية لشعار «شغل- حرية- كرامة وطنية»
لمشروع الميزانية شعارات وهي رفض اعتماد سياسية التقشف التي لا تضر الا بالفقراء والفئات الاجتماعية المتوسّطة وتحمل مسؤولية الأزمة على قدر المساواة بين الفقراء الذي لا دور لهم فيها والأثرياء، كذلك رفض المديونية التي بلغت 42 ألف مليار، مع الاشارة الى أن حجم الدين الخارجي بلغ 63 بالمائة من حجم الدين الجملي وبالتالي رفض الاملاءات الخارجية، مقابل ذلك رفعت الجبهة الشعبية شعار نعم للاعتماد على القدرات الذاتية ضمانا لاستقلالية القرار الوطني، بمعنى أن تتداين الدولة من المواطنين مقابل سعر فائدة مشجّع غير خاضع للآداء وأيضا رفع شعار نعم لاستعادة الدولة لدورها الاستثماري والتشغيلي.
تعليق الديون الخارجية دون الالغاء
مشروع ميزانية الدولة البديل الذي قدمته الجبهة الشعبية يعتمد على منطق أساسه، المطالبة بتعليق تسديد الديون وذلك باقناع المانحين بالتعليق وليس الالغاء، أي أنه عوض اعتماد سياسة الديبلوماسية الاقتصادية واقناع المانحين باقراض تونس وعوض العمل على مزيد توريط الشعب في الديون الخارجية التي ترهن القرار الوطني للقوى المانحة وهي أساسا قوى استعمارية توسعية، فانه من الأسلم اقناعها بتعليق تسديد الديون مؤقتا، فنحن مثلا مطالبون سنة 2014 بتسديد مبلغ 2500 مليار، وليس الغاء الديون، وبالتوازي مع ذلك، تمتنع الحكومة التونسية عن الاقتراض الخارجي لعدم مراكمة الديون لتلك القوى، وهذ أمر معمول به، وقد اعتمدته بعض الدول مثل البرازيل والاكوادور... ففي الأزمات يمكن المطالبة بتعليق مؤقت للديون حتى نتمكن من تسديدها، مقابل ذلك لا بد من التدقيق في تلك الديون ويمكن المطالبة بالغاء الديون التي توصف بأنها قذرة أي الديون المرتبطة بالارشاء والفساد.
لكن السؤال المطروح هنا، في صورة تعليق دفع الديون لبعض السنوات، من أين ستحصل الحكومة على الاعتمادات المالية لانجاز المشاريع التنموية وخلاص الموظفين والتجهيزات...؟
المواطنون يقرضون الدولة
خبراء الجبهة الشعبية يجيبون عن ذلك بأن الحل ليس في الاقتراض الخارجي بل في الاقتراض الداخلي أو ما يسمى بالاكتتاب الوطني، اذ تقترض الدولة من المواطنين مقابل فائدة لذلك وبالدينار وليس بالعملة الصعبة، وقدر الخبراء الاقتراض الداخلي بـ5000 مليون دينار.
وبناء على ذلك تكون موارد الميزانية متأتية من الموارد الجبائية بـ20 الف و500 مليون دينار وموارد غير جبائية بـ 2500 مليون دينار وحساب الخزينة بألف مليون دينار فيكون المجموع مع اضافة الاقتراض الداخلي 29 الف مليون دينار يتم انفاقها على التأجير والوسائل المستعملة ودعم المواد الأساسية والبترولية والتدخلات الاجتماعية وتخصيص منحة بطالة للمعطلين عن العمل ونفقات للتنمية ونفقات للدين الداخلي ونفقات لحسابات الخزينة، فتكون جملة النفقات 29 الف ميلون دينار. ويتم اعتمادا على ذلك الترفيع في الميزانية المخصصة للتنمية بنسبة أربعين في المائة، وحسب هذا التمشي سيتم التخفيض في الاداءات الجبائية المفروضة على المواطنين مع سن ضريبة استثنائية بنسبة خمسة بالمائة على مرابيح الشركات التي تعمل في مجال الاتصالات والتوزيع ضمن المغازات والمساحات الكبرى والقطاع البنكي والمالي وقطاع الطاقة، وهو ما يوفر 495 مليون دينار مع مراجعة الضريبة على المواطنين ومحاربة التهرب الجبائي بمراجعة ما يسمى بالسر البنكي، اذ تخفي البنوك على الرقابة المالية العمليات التي تقوم بها بعض الشركات التي تتهرب من الجباية وهو ما يوفر مردودا ماليا بـ 3500 مليون دينار، وبالتالي تكون جملة الموارد الجبائية في حدود 20 الف و500 مليون دينار. أما الموارد غير الجبائية، فالجبهة الشعبية تقترح التفويت في حزء من أسطول السيارات غير الادارية غير الضرورية وهي توفر مردودا منتظرا بـ 500 مليون دينار مع اعتماد الموارد الذاتية غير الجبائية بميزانية الدولة وهي نفس مقترح الترويكا في حدود 2000 مليون دينار فيكون مجموع الموارد غير الجبائية في حدود 2500 مليون دينار اضافة الى موارد الاقتراض الداخلي، وهو ما يوفر مبلغ 29 الف مليون دينار.
تشغيل 61 الف معطل عن العمل
أما النفقات فهي توجه للتأجير وتكاليف الترقيات الاستثنائية وتأجيل تطبيق التعويض للمتمتعين بالعفو التشريعي العام مؤقتا الى حين تجاوز الأزمة مع تمتيعهم بكل حقوقهم واعادة بناء المسارات المهنية مع تمتيع كل العاملين بزيادة في الأجور بمعدل أربعين دينارا للعون الواحد وهو ما يعني مبلغ 300مليون دينار.
وينص مشروع الميزانية البديل على تشغيل 61 الف شخص، كما ينص على التخفيض في نفقات التسيير بالغاء العديد من الامتيازا غير الضرورية لتنخفض من 1050 مليون دينار حسب ميزانية الترويكا الى 800 مليون دينار فقط، مع اعادة توزيع نفقات الدعم للمواد الاساسية والمحروقات والنقل المدرسي والجامعي، وتدعيم التدخلات الاجتماعية للدولة.
وتكون نفقات التنمية في اتجاه مشاريع التجهيزات والبنى اللوجستية مثل الطرقات والجسور والسكك الحديدية... اضافة الى مشاريع التنمية بالجهات ومشاريع التكوين المهني واسقاط ديون الفلاحين ودعم مشاريع الاقتصاد الاجتماعي التضامني وفي اتجاه الدراسات الاستراتيجية.
مشاريع استراتيجية لصناعة الثروة
ويركز مشروع الميزانية البديل الذي قدمته الجبهة الشعبية على المشاريع التنموية مثل تركيز مصفاة لتكرير النفط بالصخيرة وهو ما سيوفر مبالغ مالية مهمة للدولة وتأهيل مصنع الفولاذ بمنزل بورقيبة والرفع من طاقة انتاجه وتطوير وتأهيل مصنع الحلفاء بالقصرين وانجاز مصنع البلور ببوعرادة من ولاية سليانة حيث أفضل أنواع الرمال ذات الجودة العالية لصناعة البلور، حتى نتفادى التصدير الذي يصل الى حدود 100 بالمائة وانجاز وحدة عملاقة لرسكلة النفايات الحديدية بالقيروان ومصنع الاسمنت بالقطار من ولاية قفصة وانجاز محطات تطهير في الرديف وام العرائس والمكناسي والفحص وبوعرادة وتاجروين ومكثر والجريصة وبنقردان وانجاز مصب للفوسفوجيبس بقابس، وهو مشروع جاهز منذ سنة 2002 وانجاز وحدة لاستخراج الملح ببنقردان ووحدة لمعالجته وتثمينه وانجاز مركب صناعي متطور لتحويل المنتوجات الفلاحية بسيدي بوزيد وكهربة الآبار السطحية بمناطق سيدي بوزيد وتطوير استغلال ثلاثة الاف هكتار من الأراضي الدولية بنفس الولاية وتأهيل وصيانة واحات توزر ونفطة والحامة وازالة التلوث بالمنجم القديم بالزريبة من ولاية زغوان وانجاز مركز للسياحة الاستشفائية وانجاز مطحنة ضخمة بجندوبة وتوسيع مساحة زراعات اللفت السكري في جندوبة والترفيع في طاقة انتاج المصنع من السكر وتأهيل موانئ الصيد البحري ودعم البحارة.
الخبز
ومن النقاط الأساسية التي يعتمد عليها مشروع ميزانية الدولة البديل هو دعم المواد الأساسية من خلال جملة من الاجراء كإعادة تنظيم قطاع المخابز والتخفيض في حجم الدعم المخصص للخبز بنسبة ثلاثين بالمائة دون الترفيع في اسعار الخبز وذلك بالغاء بعض أصناف المخابز وضبط كميات الفارينة حسب طاقة الانتاج لقطع الطريق امام السوق الموازية لتلك المادة والترفيع في نسبة تجميع الحبوب وايجاد معادلة جديدة في علاقة الفلاح بديوان الحبوب وبالبنك الوطني الفلاحي اذ يقدم البنك قرضا للفلاح ويشتري منه ديوان الحبوب منتوجه مقابل سداد اقساط القرض وخصمها من قيمة مبلغ المحصول والتصدي لتهريب المواد الأساسية التي يستفيد من دعمها المهربون والمواطنون في الدول المهرّب لها.
ويعتقد خبراء الجبهة الشعبية أن اعتماد الدولة مشروع الميزانية البديل سيمكن بلادنا من تجاوز الأزمة وعدم رهن الشعب والأجيال القادمة في قروض غير قادرين على استخلاص فائدتها دون اعتبار أصل الدين اضافة الى اعتقادهم في ان مشروع الميزانية البديل سيوفر مواطن شغل ويخلق الثروة.
المشروع لا يخرج عن التصور الليبرالي للدولة، ولكنه يخطو نحو اقتصاد اجتماعي يحافظ على قدرات ابناء الشعب الاقتصادية ويضمن استقلالية القرار الوطني والتأسيس لقيم أساسية مثل التعويل على الذات وترسيخ قيمة العمل وثقافته.