أما الخِلُّ الوفي , فقد أحاله العرب على الاِستحالة لاِمتناع إمكانية تحققه و توفره , فهو الذي يصل بك إلى أعلى درجات المحبة و الإخلاص , والذي يتشابه معك في الصفات و الطباع , و يخلص لك أكثر من إخلاصه لنفسه , لذلك قال الشاعر :
لمّا رأيتُ بَني الزّمانِ وما بهِم خلٌّ وفيٌّ، للشدائدِ أصطفي
أيقنتُ أنّ المستحيلَ ثلاثة ٌ: الغُولُ والعَنقاءُ والخِلّ الوَفي
و أما الغول فحيوان خرافي , و أما العنقاء فطائر أسطوري , و أما نحن فأردنا اِستدعاءهما و تنزيلهما على الواقع السياسي في تونس , في علاقة بحركة النهضة التي قد تتصف بصفات أحد المفارقيْن .
هناك على الساحة السياسية في تونس من الأحزاب و الحركات و الشخصيات من يجعل من حركة النهضة " غولا " , لا ينفك عن التحذير منه و التخويف من خطره , و لا يتورع في ذلك من اِستعمال كل الأسلحة المشروعة و غير المشروعة , متشبها بالتي تستدعي " الغول " لترهب به أطفالها المشاكسين و المشاغبين لغاية الإخافة و الترهيب .
و هناك من يرى في النهضة طائر " العنقاء " , الموصوف بالنبل و الروعة و الدهاء , ذي العنق الأبيض الطويل , الجامع بين القوة و الجمال , تلك هي حركة النهضة ذات المرجعية الأصيلة و المنطلق الإسلامي ذي القيم النبيلة و الأهداف الأنبل , و هي نفسها ذلك الفاعل السياسي الذي يتحرك في مجال المتغيرات و الفروع .
الحقيقة أن الفريق الأول يخاف النهضة سياسيا ليس أكثر , و حُقَّ له أن يخاف , باِعتبار أنها منافس قوي و الحزب الأكبر على الساحة , لكن ليس من حقه أن يُخَوِّفَ منها بإلباسها ثوب " الغول " , تنفيرا و إرهابا , و أما أنصار " العنقاء " , فوجب أن يعلموا أن الأسطورة تقول أنها طائر متجدد , تحرق نفسها عند الموت فتنبعث من رمادها " عنقاء " ثانية أقوى .